محمد بن جرير الطبري

190

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تمرض ، وإنك تحزن ، وإنك يصيبك أذى ، فذاك بذاك " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء بن أبي رباح ، قال : لما نزلت ، قال أبو بكر : جاءت قاصمة الظهر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما هي المصيبات في الدنيا " . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً . يعني بذلك جل ثناؤه : وَلا يَجِدْ الذي يعمل سوءا من معاصي الله وخلاف ما أمره به ، مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني : من بعد الله وسواه ، وَلِيًّا يلي أمره ، ويحمى عنه ما ينزل به من عقوبة الله ، وَلا نَصِيراً يعني : ولا ناصرا ينصره مما يحل به من عقوبة الله وأليم نكاله . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً يعني بذلك جل ثناؤه : الذين قال لهم : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ يقول الله لهم : إنما يدخل الجنة وينعم فيها في الآخرة ، من يعمل من الصالحات من ذكوركم وإناثكم ، وذكور عبادي وإناثهم وهو مؤمن بي وبرسولي محمد ، مصدق بوحدانيتي ، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عندي ، لا أنتم أيها المشركون بي المكذبون رسولي ، فلا تطمعوا أن تحلوا وأنتم كفار محل المؤمنين بي وتدخلوا مداخلهم في القيامة وأنتم مكذبون برسولي . كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ قال : أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح ، وأبى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان . وأما قوله : وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً فإنه يعني : ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثواب عملهم مقدار النقرة التي تكون في ظهر النواة في القلة ، فيكف بما هو أعظم من ذلك وأكثر . وإنما يخبر بذلك جل ثناؤه عباده أنه لا يبخسهم من جزاء أعمالهم قليلا ولا كثيرا ، ولكن يوفيهم ذلك كما وعدهم . وبالذي قلنا في معنى النقير قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد : وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً قال : النقير : الذي يكون في ظهر النواة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا قرة ، عن عطية ، قال : النقير : الذي في وسط النواة . فإن قال لنا قائل : وما وجه دخول " من " في قوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ، ولم يقل : ومن يعمل الصالحات ؟ قيل : لدخولها وجهان : أحدهما أن يكون الله قد علم أن عباده المؤمنين لن يطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات ، فأوجب وعده لمن عمل ما أطاق منها ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزت عن عمله منها قواه . والآخر منهما أن يكون تعالى ذكره أوجب وعده لمن اجتنب الكبائر وأدى الفرائض ، وإن قصر في بعض الواجب له عليه ، تفضلا منه على عباده المؤمنين ، إذ كان الفضل به أولى ، والصفح عن أهل الإيمان به أحرى . وقد تقول قوم من أهل العربية أنها أدخلت في هذا الموضع بمعنى الحذف ، ويتأوله : ومن يعمل الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن . وذلك عندي غير جائز ، لأن دخولها لمعنى ، فغير جائز أن يكون معناها الحذف . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وهذا قضاء من الله جل ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلها ، يقول الله : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً أيها الناس ، وأصوب طريقا وأهدى سبيلا ؛ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يقول : ممن استسلم وجهه لله ، فانقاد له بالطاعة ، مصدقا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه . وَهُوَ مُحْسِنٌ يعني : وهو عامل بما أمره به ربه ، محرم حرامه ، ومحلل حلاله . وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً يعني بذلك : واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن ، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به ؛ حنيفا ، يعني : مستقيما على منهاجه وسبيله . وقد بينا اختلاف المختلفين فيما مضى قبل في معنى الحنيف والدليل على الصحيح من القول في ذلك بما أغنى عن إعادته . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . وممن قال ذلك أيضا